الغوغائية المنظمة
"
السلوك الجماعي يتخذ مناحي غريبة أحيانا "
د/
أحمد خالد توفيق
اليوم نسمع كلمة كثيرا ما تتردد على شاشات التلفزيون ووسائل الإعلام
المختلفة وهي ما يسمى "العنف الغريب على مجتمعنا" ولكن هل هذا العنف
غريب فعلا ؟!
أولا :- كثير من الحيوانات تتعارك مع بني جنسها لأسباب تتعلق بمناطق النفوذ
وحقوق التزاوج ولكن أن تقتل بني جنسها فهو أمر نادر وفي هذه الخانة النادرة نجد
أنفسنا نتربع على عرشها . نحن البشر – وعلى الرغم مما نسميه انسانية – أكثر الكائنات
دموية على هذا الكوكب وتاريخ النزاعات والحروب خير شاهد على هذا الأمر .
ثانيا :- هل يتفرد الشعب المصري الآن بهذا العنف الذي يراه البعض غريبا ؟
الإجابة هي لا . السلوك الجماعي البشري بوجه عام يتخذ هذا الشكل العنيف .
وإلا فكيف تحولت المقصلة والإعدامات العلنية إلى أيقونة الثورة الفرنسية حتى أنها
طالت بعض رجال الثورة أنفسهم . وحبس طفل كلويس السابع عشر في سجن الباستيل الرهيب
وضربه لا لجرم ارتكبه إلا أنه ابن لويس السادس عشر . وعمليات السلب والنهب
العشوائية المتكررة في التاريخ عند غياب النظام أو عند فتح مدينة مستسلمة بائسة
وقعت فريسة لجيش متوحش . وقتل المقيم المصري في لبنان على خلفية اتهامه في قضية
اغتصاب ثم التمثيل بجثته ببشاعة . بل وتصل الوحشية إلى أقصى مستوياتها في مصر أو
خارجها بالتفاخر بمثل هذه الجرائم بتصويرها وعرضها علنا وكأنها البطولة المطلقة .
ثالثا :- يظل دائما الأسوأ هو التأييد السلبي لأغلب هذه الأعمال الوحشية
والتي تدنس صورة الإنسانية المزعومة . فكم من مرة سمعنا كلمات مثل
"يستاهل" , "ايه اللي وداهم هناك" , "ده كافر" ؟!
سمعنا هذه العبارات في المجتمع المصري عند التمثيل بالبلطجية والشيعي حسن شحاتة و
أحداث محمد محمود و ميدان التحرير والعباسية والأسكندرية والحرس الجمهوري . دائما
نجد المبرر لسفح دم من يختلف معنا .
أخيرا :- هل هذه الغوغائية و سلوك القطيع الذي يتحرك به البشر أحيانا تكون
عفوية وليدة اللحظة دائما ؟
في الواقع لا . في كثير من الأحيان تجد سهام الحقد والكراهية طريقها لجموع
الناس من تيار أو فئة معينة . حملات تشويه وأخبار مكذوبة متكررة من كافة الأطراف
تؤجج نار الفتنة وتشعل فتيل هذه الغوغائية المتعمدة وأحيانا المنظمة .